الدنيا

"لا يعز علي سوى ترك مكتبتي الخاصة، فلولا الكتب في هذه الدنيا لوقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس"

                  الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 - 1860)

الدنيا
يقول الراوي: كانت جدتي إنسانة رائعة، لقد علمتني لعبة المونوبولي، وكانت تعلم أن السر في الفوز باللعبة هو الاستحواذ والتملك، لذا كانت تجمع وتستحوذ على كل ما يمكنها امتلاكه، حتى أضحت في النهاية زعيمة الطاولة بلا منازع، كانت تُرَدِّدُ دائما على مسامعي نفس الكلام، فتنظر إلي وتقول: "في إحدى الأيام سوف تتعلم قواعد اللعبة، وستعرق أن أول شرط للفوز هو أن تكون قاسيا فظا غليظ القلب".
وخلال الصيف لعبت المونوبولي كل يوم تقريبا طوال النهار، حتى تعلمت إتقان اللعبة، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن الطريقة الفعالة والناجعة للفوز تقتضي الالتزام الكلي بالاستحواذ دون رحمة ولا شفقة على كل شيء من مال وممتلكات، وهي الطريقة الوحيدة للحفاظ على نتائج عالية، وفي نهاية ذلك الصيف أصبحت أكثر قسوة من جدتي، لدرجة أنني كنت على استعداد لخرق كل القوانين والأعراف من أجل الفوز، وجلست للعب معها في ذلك الخريف، فاستوليت على كل ما كانت تمتلكه، وشاهدتها تخسر آخر دولار، وتغادر بعد انهزامها شر هزيمة.
 بعد ذلك كان لديها شيء آخر لتعلمني إياه، حينها قالت: الآن يعود كل شيء إلى الصندوق، كل تلك المنازل والفنادق، والشركات، كل تلك الأملاك الهائلة والأموال الطائلة، كل ذلك سيعود إلى الصندوق، فهي لم تكن ملكك في المقام الأول، فقد تَحَمَّسْتَ بشأنها كثيرا لفترة من الزمن، ولكنها كانت موجودة قبل جلوسك إلى الطاولة بوقت طويل، وستظل موجودة بعد رحيلك، فلاعب يأتي وآخر يمضي، المنازل والسيارات، الألقاب والأزياء، بل حتى جسدك نفسه، ففي حقيقة الأمر كل ما أضع عليه قبضتي وأستغله وأسخره سيعود في النهاية إلى الصندوق وسأخسر كل شيء، لذا وجب عليك أن تسأل نفسك بعدما ترتقي أعلى المراتب، وبعدما تحصل على أفضل الصفقات، وبعدما تمتلك أفضل المنازل، وبعدما تدخر من المال ما يكفيك لتصبح آمنا ماديا، وبعدما تتسلق سلم النجاح وتصل لأعلى الدرجات التي تستطيع الوصول إليها.
سوف يختفي الحماس والإثارة.. ولسوف يختفي بالفعل.. ثم ماذا؟.. إلى أي مدى يمكن أن يوصلك هذا الطريق قبل أن تدرك النهاية التي يُفضي إليها، ومن المؤكد أنك تدرك تماما أنه لن يشفي غليلك شيء من ذلك المتاع، ولن تشعر أبدا بالاكتفاء والارتواء، وستبقى جوعانا عطشانا في بيداء حياة مقفرة، لذا وجب عليك فبل فوات الأوان أن تسأل نفسك هذا السؤال: ما هو الأهم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق