‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل

أَرَادَ أَنْ يُرْشِدَهُ فَأَضَلَّهُ

لا زلت أتذكر حكاية 'أراد أن يرشده فأضله' للكاتب والأديب والشاعر المغربي عبدالمجيد بن جلون رحمه الله (1919-1981) في سلسلة اقرأ الجزء الخامس، الذي اتخذته وزارة التربية الوطنية والشبيبة والرياضة بالمغرب مقررا للسنة الخامسة من التعليم الابتدائي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
يقول الكاتب: كان بيتنا لا يخلو من ضيف، ولم يكن ضيوفنا من الإنجليز، وإنما كانوا تجارا من المغرب، يأتون إلى إنجلترا لابتياع النسيج أو الأواني الفاخرة، ولم تكن مهمة هؤلاء الناس التجارة فقط، وإنما كان عندهم ميل غريب إلى الاستمتاع بالحياة، تلكم الحياة الضاحكة التي كانت تقدمها إليهم مدن إنجلترا ومصايفها.

من ذكرياتي مع قناة الروكاد بمنطقة الحوز

من ذكرياتي مع قناة الروكاد بمنطقة الحوز
كان الوقت صيفا قائظا، عندما انطلقت بي سيارة المصلحة باتجاه بلدية العطاوية على بعد 70 كلم من مدينة مراكش، وكان برفقتي السائق 'ب'، وكنت مكلفا آنذاك بالسهر على صيانة قناة الروكاد ومنشآتها الفنية البالغ عددها 407 منشأة، وتتبع ومراقبة أشغال تنقية القناة من الأوحال التي كانت ترسب في قعرها نظرا لانحدارها الضعيف الذي لا يتعدى 0.23 متر لكل ألف متر طولي، ونظرا أيضا لطبيعة المياه الموحلة المخزنة بسد الحسن الأول نتيجة انجراف التربة لضعف الغطاء النباتي والتشجير للمنحدرات المحيطة بالسد، تبلغ الطاقة التخزينية لهذا السد 262 مليون متر مكعب،  وقد أُقيم على الوادي الأخضر أحد روافد وادي تساوت في الطرف الجنوبي من الحوض الهيدرولوجي لوادي أم الربيع. 

لا وجود للحياد فإما أن تكون بجانب هذا الطرف أو ذاك

 "إِنْ كُنْتَ لاَ تَدْرِي مَعَ أَيِّ طَرَفٍ أَنْتَ، فَإِنَّكَ بِدُونِ شَكٍّ تُوجَدُ بِِجَانِبِ الزُّبْدَةِ" أستاذ علم الاجتماع بول باسكون  Paul Pascon
لا وجود للحياد فإما أن تكون بجانب هذا الطرف أو ذاك
يعتبر الباحث الراحل بول باسكون  Paul Pascon الذي ولد بمدينة فاس سنة 1932 من أجود وأرفع الأطر المغربية التي جادت بها مدرسة علم الاجتماع المغربي، رجل جد متواضع مع كل الناس خاصة الفلاحين الصغار والطبقات المسحوقة، جد دقيق ومنهجي لدرجة تثير الدهشة والإعجاب، درس ووصف وانتقد انقسامات المجتمع المغربي ساعيا إلى تغييره في العمق لتخليصه من أرجاس الماضي،  إنه المثقف الملتزم الذي وضع البحوث في خدمة المعرفة من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي نحو الأفضل، بول باسكون  الذي أحب المغرب واختاره وطنا له وقضى عمره كله بين أحضانه، متنقلا بين سهوله وجباله وأحراشه وصحاريه ووديانه، مشاركا الناس العاديين في حياتهم القروية، متحدثا لهجاتهم على اختلافها وتنوعها، ومشاركا لهم حتى في قوتهم المتواضع بدون عجرفة ولا ترفع ولا أبهة فارغة، إلى حين وفاته في ليلة من ليالي أبريل سنة 1985 في حادثة سير غامضة ومُروعة بصحراء موريتانيا رفقة زميله الباحث المغربي محمد عريف.

أيام بريئة 7

مع إطلالة شهر مايو يبدأ زئبق مدينة مراكش في الارتفاع تصاعديا ليبلغ  أوجه في شهر يوليوز، وكنا كأطفال في سن التاسعة والعاشرة نستدل على بداية الحر عن طريق الضغط بأقدامنا على سدادات قنينات المشروبات الغازية، فتنغرس في الطرقات المزفتة كانغراس مسامير في الزبدة، ولم تكن تحمي أرجلنا آنذاك غير أنعلة بلاستيكية بيضاء رخيصة الثمن تم ترميمها عند الإسكافي أكثر من مرة لدرجة أنها أصبحت 'تطلب الشرع' معنا وترجونا أن نتخلى عنها، ولوفائنا وحبنا لها لم نكن البتة نتخلى عنها حتى تتخلى عنا هي، وتتفتت إلى عدة أجزاء في يوم ما على قارعة الطريق وتتركنا عائدين إلى منازلنا حفاة.

أيام بريئة 5

الساعة تُشير إلى الرابعة بعد الزوال، يهرع الحارس سي علي لقرع جرس الخروج أو جرس العدالة معلنا نهاية حصة الدرس المسائية، نجمع أدواتنا القليلة ودفاترنا الهزيلة ونحشرها بعجالة داخل محفظاتنا المهترئة، وبذلك تكون قد انتهت الحصة اليومية للمدرسة الحكومية الرسمية، وتبدأ مباشرة بعدها دروس أخرى في مدرسة الحياة، دروس لن تجد لها وجودا ولا مثيلا لا في مدرسة ولا في مكتبة ولا في كتب ولا في أحاجي الجدات.

رسالة إلى صديق عزيز

تحية  طيبة وبعد
كنت جالسا بمكتبي هذا الصباح حتى أطلت علي رسالتك الغالية يفوح منها عبير صداقتنا الصادقة التي عمرت منذ زمان فأدخلت على قلبي البهجة والغبطة والسرور، وأشعرتني بوفائك وصفاء معدنك ونبل أخلاقك وحسن شيمك وما عهدته فيك دائما أن تكون السباق إلى الخيرات، سوف لن أستوفيك حقك مهما قلت فيك ومهما مدحتك لأنني لن أستطيع أن أُوصِل عنك صورة حقيقية للقارئ الذي لا يعرفك، واللي ما عرفك خسرك، صادقتك خلال سنوات قبل إحالتك على التقاعد فعدت إلى بلدك بولونيا وقلبك تعتصره الحسرة والألم وعيناك مغرورقتان بالدموع لأنك أحببت المغاربة والمغرب وتفانيت في خدمته بإخلاص وصدق وأمانة دون أن تؤدي يمينا كما يؤديه بعض من هم من بني جلدتي فينقلبون بعد ذلك وهم حانثون ومقصرون.

قروي في سينما مبروكة بمراكش

كان من عادة القرويين القاطنين بنواحي مدينة مراكش الحمراء وضواحيها فيما مضى من الأعوام السالفة التنقل إلى المدينة على متن حافلات مهترئة ومتهالكة ليس لها من الحافلة إلا الإسم، وذلك كل يوم جمعة قصد زيارة الأقارب والأحباب والتجول والتفسح بالنسبة للبعض وارتياد القاعات السينمائية بالنسبة للبعض الآخر، تلك القاعات الباكية اليوم على أطلالها، التي كانت لها الهمة والشأن عندما لم تكن هنالك لا صحون مقعرة ولا 'دي في دي' ولا يوتيوب ولا هم يحزنون.

أيام بريئة 4

النوم والكسل أحلى من العسل، كانت هذه إحدى المقولات المتداولة فيما بين التلاميذ آنذاك، خصوصا وأن الاستيقاظ في ظلمة الصباح مع برودة الجو اللاسعة كانا يجعلان للنوم طعما كطعم العسل، وبمجرد حلول عطلة انتهاء الدورة الأولى التي تصادف بداية شهر يناير ومدتها عشرة أيام، أو حلول عطلة فصل الربيع في 22 مارس من كل سنة ومدتها 15 يوما. كنا نشعر بسعادة وفرح لا يوصفان لأننا نرتاح من القيود والفروض المدرسية والانضباط في الصف ونفلت بجلودنا من العصا المسلطة علينا ونجد المزيد من الوقت للعب كرة القدم والبينو وفريع الشبكة والبي والسركوس وفري وغيرها من الألعاب المبتكرة التي لا تطلب مالا سوى أن يكون المرء بصحة جيدة، وكنا نقضي بعض أيام هذه العطل مع أبي رزوق رحمه الله.

أيام بريئة 3

كانت وزارة الصحة في ذلك الوقت تهتم بنظافتنا وصحتنا أكثر مما يوليه لنا آباؤنا في هذا الجانب، بحيث كان طبيب ومساعد له يقومان بزيارتنا كل شهرين أو ثلاثة أشهر في السنة، لدرجة أن جميع التلقيحات والتطعيمات التي كانت سائدة في تلك الفترة في كل أرجاء الدنيا ثم تجريبها فينا واستقرت في أجسادنا ابتداء من تلك التي تُغرز تحت المرفق وفوقه مرورا بالتي تُغرز في البطن ووصولا للتي تُغرز في الورك، ولا زالت آثار بعضها بارزة فينا لحد الآن وشاهدة شهادة حية على فترة من تاريخ المغرب المعاصر، كان الطبيب الذي يزورنا يضع سماعته على صدورنا ويحتنا على التنفس بعمق ثم يضعها على ظهورنا ويحثنا على السعال ثم يأمر كلا منا بالتمدد فوق طاولة خشبية في صف دراسي فارغ ويجرده من ملابسه الفوقية ويضع يده اليسرى على بطنه ويبدأ بالضرب عليها باليد اليمنى وينصت جيدا للصوت الصادر عن ذلك وهو يحدق في ملامحك من تحت نظارتيه الكأسيتين ونحن لا ندري ما يدور من حولنا، ثم يفحص آذاننا وأسناننا وعيوننا ومناخرنا وأظافرنا، وكان كل من لا يولي اهتماما بنظافة هذه الأعضاء ينال توبيخا قويا من الطبيب.

أيام بريئة 2

كان الزمن في تلك الأيام يمر بتثاقل واسترخاء بحيث يمكن أن تقضي في يوم واحد كل شؤونك ويبقى لك متسع من الوقت لقضائه مع الأهل والأصدقاء وأصحاب المرح والنكته من أهل مراكش المعروفين بذلك، خلافا لأيام الفتنة هاته التي أضحى فيها الأسبوع كيوم واحد والشهر كأسبوع والكل يجري هائما على وجهه شاهرا سيفه على البقشيش وناكرا حتى أقرب أقااربه وجيرانه، لا يكثرت لأحد ولا يهمه شيء آخر غير المال حتى قال في ذلك ناس الغيوان: "ما نويت الزمان يغدر ويتبدل الحال، ما نويت الناس تبيع عزها بالمال أيا قلبي عزها بالمال أيا قلبي عزها بالمال"، وكنا حينذاك كتلامذة نحسب ألف حساب لحلول يوم الخميس يوم المحفوظات والفلقة، بحيث كنا نصطف أمام القسم مثتى مثنى وينقطع كلامنا وشغبنا بمجرد ظهور المعلم من بعيد.

أسرار النجاح تكمن في التملق والانبطاح

يحكى أن النعمان ملك الحيرة أراد أن يبني قصراً ليس له مثيل في الدنيا يفتخر به على العرب ويفاخر به أمام الفرس، فوقع اختياره على مهندس رومي مبدع في البناء إسمه سنمار لتصميم وبناء هذا القصر، فاستدعاه النعمان وكلفه ببنائه، فلما انتهى سنمار من بناء القصر بعد عشرين سنة على أتم وأروع ما يكون وأطلقوا عليه اسم الخورنق، جاء النعمان ليعاين البناء، فاستعرض القصر وطاف بأرجائه الرحبة الفسيحة ثم بعد محادثة قصيرة مع سنمار أمر رجاله بإلقاء سنمار من أعلى القصر، فسقط هذا الأخير جثة هامدة بلا حراك حتى لا يبني مثله لغيره، فضربت العرب به المثل لمن يُجزي بالإحسان الإساءة.

الصامتون والصائتون.. إلى روح الأستاذ أحمد بوكماخ

كلما حضرت مجلسا خطابيا أو اجتماعا ما في إدارة من الإدارات إلا وتذكرت حكاية الثرثار ومحب الاختصار في سلسلة اقرأ للمرحوم الأستاذ أحمد بوكماخ، والتي أفتتح بصددها في هذا المقام هذا الاعتراف المتواضع بحق رجل عصامي ليس ككل الرجال، وأقولها بكل صدق "الرحمة لمن علمني"، فلقد كانت نصوصها بحق تزخر بشتى الدروس والعبر مثل "الأمير السعيد" و"الله يرانا" و"بائعة الكبريت"، أيام كانت محفظاتنا القديمة المهترئة ونحن تلامذة في الصف الابتدائي تحوي فقط كتاب اقرأ وأربعة دفاتر فئة 24 ورقة ولوحة صغيرة وريشتين عربية وفرنسية وقلم رصاص وممحاة ومسطرة، ولم تكن تستر أجسامنا الصغيرة سوى ملابس متواضعة مستعملة لا يرقى ثمنها بالكامل إلى 10 دراهم، وعلى الرغم من ضآلة العدة والعتاد كان المستوى التعليمي آنذاك من أرفع ما عرفه المغرب بعد الاستقلال نظرا للمستوى العالي والرفيع والخلق السوي القويم الذين كانا يميزان الأسرة التعليمية في ذلك الوقت المغاربة والأجانب على حد سواء.

أيام بريئة 1

الفصل فصل شتاء والبرد قارس، أستيقظ في الصباح الباكر وأرتدي هدومي المتواضعة وأحمل محفظتي المهترئة ويداي ترتعشان من شدة البرد، تناولني أمي عشر سنتيمات أو ريالان، كان ذلك أيام الجد والنشاط عندما كنت تلميذا في الإبتدائي، وبمجرد خروجي إلى الشارع يتجمد أنفي وأذناي وتزرق رؤوس أصابع يداي من شدة البرد القارس، ولم تكن لدي حيلة كي أدفئهما سوى النفخ فيهما بفمي، أسرع الخطى في الشارع الخالي إلا من القطط وأزبال مرمية هنا وهناك، أقترب من المدرسة ويلوح لي من بعيد بائع المعجنات بلحيته البيضاء وصحنه المغطى بمنديل فوق رأسه، أناوله ريالا ويخرج لي حلوى دافئة من تحت المنديل ويمرغها في السكر ويناولني إياها، ألتهمها بسرعة وأنا أنظر إلى البخار يتصاعد من فمي وكأنني أدخن سيجارة وأصيح في التلاميذ الآخرين انظروا الدخان يخرج من فمي، فأركض نحو باب مدرسة يوسف بن تاشفين، يرمقني ويحثني حارس المدرسة سي علي رحمه الله بالأسراع حتى لا آكل طرحة من العصا.